أنت هنا: الرئيسية > مقالات > رسائل الغروب

رسائل الغروب

رسائل الغروب

رغم أن كثيرين يعتبرونه مأتمياً، لم يشدني قط منظر طبيعي قدر ما شدني منظر الغروب، تدرجات اللون الأحمر التي تملأ الأفق وتنعكس على السحب، الظلال الطويلة، والأشعة الذهبية الدافئة التي تسقط على المنازل والمباني فتجعل قبيحها جميلاً، هذه التركيبة البصرية متناهية الجمال بين الأزرق الصافي والأحمر الهادئ والأبيض والذهبي تحدث في نفسي أثراً يصعُب وصفه، هذه الألوان لا يمكن للآلات تصويرها، ولا تستطيع أحدث الشاشات عرضها على حقيقتها، لا يمكنك معرفة مدى جمالها إلا عند النظر إليها مباشرة بالعين التي وهبها لك موجد هذا الجمال لتنظر وتتفكر وتتدبر، ألم يقل سبحانه: “قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (101)”(1).

ولتعلقي بهذا المنظر فكرت فيه طويلاً، إن هذا الجمال الأخاذ لابد وأن ينطوي على معانٍ جميلة، لابد أن هناك حكمة من تكرار هذا المنظر أمام كل هؤلاء البشر يوميًا، ثمة رسائل ترسل لنا عبره لترسخ معانيها بتكراره، ولما خطر لي هذا الخاطر، بدأت بعض رسائل الغروب تصلني بالفعل، وهنا أشارككم إياها:

النهاية قادمة

إن الحقيقة التي يؤكد عليها الغروب هي أن لكل شيء مهما طال نهاية، وهي حقيقة كفيلة بأن تبعث في النفس سلامًا لا ينتهي، أحزانك لها نهاية، وأفراحك لها نهاية، تعبك له نهاية، وراحتك لها نهاية، كل شيء له نهاية، لا تقاتل هذه النهايات ولا تقاومها، أوَ يستطيع أحد منع الشمس من الغروب؟! ليس في وسعك مع الغروب إلا الرضى، لكأن كلمات جبريل عليه السلام تتردد مع غروب شمس كل يوم: “عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به”(2)، والمشكلة هنا أن شموس الحياة تغيب على غير ميعاد، لذا أعدد للحظات الغروب عدتها.

تغرب هنا… وتشرق هناك

الحياة عادلة، دعك من أولئك الزنادقة الذين يطيب لهم نفي ذلك طوال الوقت، إن الشمس تشرق في سمائك قدراً من الزمن ثم تغيب عنك لتشرق عند الآخرين، كل له حظه المقسوم من الشروق والغروب، من الليل والنهار، ومن السعادة والشقاء، وصدق الله حيث قال: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي”(3)، هل ترى أن الليل في حياتك كان طويلا؟ اجتهد وتفاءل، علها تشرق عليك غداً شروقاً لا ينتهي.

ربما يشرق القمر مع غروب الشمس

كثيراً ما ينظر الإنسان إلى ما يقع له في الحياة نظرة أحادية قاصرة، لا يرى بها إلا الفائدة المباشرة أو الضرر المباشر، بينما لو تفكر الإنسان أكثر لوجد في كثير من بلايا الحياة مقدمات لنعم عظيمة، وقد رسخ القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (216)”(4)، وقوله: “فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)”(5)، لذلك انتبه وتأنّ، لربما غربت شمس العافية كي يشرق قمر التوبة والرجوع.

الغروب لا يدوم

إن الحياة ليست صعوداً دائماً ولا نزولاً مستمراً، بل هي تتقلب وتختلف أحوالها، فلا تجعل لليأس إلى قلبك سبيلا، “إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)”(6)، كن دائماً على أمل بالأفضل، وتذكر أن الشمس إن غربت اليوم، فإنها تشرق غداً إن شاء الله، تفاءل بهذا الشروق، واعمل له.

كانت هذه رسائل قصيرة استقبلتها من الغروب، هذا المنظر الذي نراه كل يوم ونتجاهل ما يقول، هو كغيره من معالم هذا الكون الواسع، كلما أعطيتها حظها من التأمل والتفكر لم تبخل عليك بالفائدة.

في المرة القادمة التي ترى فيها غروب الشمس انتبه وأصغ، فقد يخصك برسالة لم يرسلها إلى أحد من قبل.

ملاحظات ومراجع:

  1. سورة يونس
  2. عن سهل بن سعد الساعدي وجابر بن عبدالله وعلي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أتاني جبريلُ، فقال: يا محمدُ عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّتٌ، وأحبِبْ ما شئتَ، فإنك مُفارِقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزِيٌّ به، واعلمْ أنَّ شرَفَ المؤمنِ قيامُه بالَّليلِ، وعِزَّه استغناؤه عن الناسِ”. [حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة]
  3. عن أبي ذر الغفاري عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال: “يا عبادي إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا. فلا تظَّالموا…” [رواه مسلم]
  4. سورة البقرة
  5. سورة النساء
  6. سورة يوسف

تعليقات الفيسبوك

5 تعليقات

  1. كلمات ماتعة بارك الله فيك … و لكن هناك خطأ إملائي بسيط يقع فيه غالب من يكتب على الكي بورد و ليس بالقلم الرصاص على الورقة

  2. :)
    لا بد من الكتابة على الكيبورد إن أردت نشر شيء على الإنترنت :D، لكن أنا أكتب أولاً بالقلم الرصاص، ثم أنقل ما كتبته، لو نبهتني على الخطأ أكون ممتناً.
    جزاك الله خيراً.

  3. نعم ..فحياتنا تتأرجح بين شروق و غروب و علينا أن نُحسن عبوديتنا لله في كلا الحالتين سعيًا لغروب ختامي يرضي خالقنا عز و جل
    بارك الله فيك أسلوب مميز في الطرح ,,أسأل الله عز و جل أن ينفع بك و بقلمك

  4. رسائل مهمة ولعلك تداركت الأخطاء الإملائية!
    والأخطاء الإملائية ترسل لنا جميعاً رسالة إضافية إلى رسائلك الإبداعية مفادها قول الشاعر : لكل شيء إذا ما تم نقصان
    فكل عمل بشري مهما كان جليلا لابد أن يعتريه ما يشوبه وإن كان نادرا أو قليلا
    بوركت يمينك وسدد الله قلمك

  5. أبدعت في إيصال رسائلك
    لقد ذكرتني برسائل مشابهة كانت تصلني ليس من منظر الغروب في هذه المرة وإنما من منظر البحر فأمواج البحر لا تتوقف عن الحركة جيئة ورواحا
    ذلك المنظر البديع الذي كان يتكرر على بصري كل يوم وأنا في طريقي للجامعة
    وصدق الله إذ يقول “كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة”
    أسأل الله أن يبارك في قلمك الرصاص ويجعله مدادا لك في الخير دائماً

أضف رداً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى